أخبار عاجلة
الرئيسية / العالمية / خطة إسرائيلية لمواجهة النفوذ الإيراني في سورية

خطة إسرائيلية لمواجهة النفوذ الإيراني في سورية

لم تكن الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية واضحة في بداية الانتفاضة السورية العام 2011م، لكنها نظرت إلى هذه الانتفاضة باعتبارها فرصة لإضعاف النظام السوري واستنزاف إيران معه، وسعت ديبلوماسياً إلى إطالة أمد الصراع من جهة، ومنع انتصار أي طرف من جهة أخرى، مع تفضيل انتصار النظام السوري في نهاية المعركة، بحيث يكون قادراً على ضبط القوى الداخلية، وضعيفاً ومنهكاً في حال أي مواجهة خارجية.

لكنْ شكّل تمدد النفوذ الإيراني في سورية أحد المخاوف الرئيسة لإسرائيل، سواء من خلال نشر القوات الإيرانية أو الدعم المكثف لميليشيا حزب الله، لذا بنت إسرائيل استراتيجية سياسية وعسكرية لكبح قدرات طهران وتأطير نفوذها الآخذ بالاتساع.

لذلك تحاول هذه الدراسة تحليل المخاوف الإسرائيلية، وتوصيف استراتيجيتها المتبعة منذ بداية الأزمة السورية، مع محاولة فهم الأهداف المرجوة.

باحثون إسرائيليون: سورية المجزأة والمقسمة لا يمكن توحيدها من جديد

أولاً: استثمار الخراب السوري

نظرت إسرائيل حولها فرأت واقعاً استراتيجياً لا مثيل له منذ قيام إسرائيل، فالتهديد العسكري السوري لم يعد موجوداً، والتهديد الإيراني معلق وغارق مع ميليشياته في مواجهة الشعب السوري، وفي الوحل السياسي اللبناني، ولا يوجد في الأفق خطر قيام ائتلاف عربي قوي يهاجم حدودها، وتفرغتً إلى ما يتوجب على إسرائيل فعله لكسب الأرباح من الانهيار العربي غير المسبوق.

وأكد باحثان في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، جدعون ساعر وغابي تسيبوني في دراسة مهمة: «إن سورية، كدولة ذات سيادة في حدودها المعروفة كما كانت عام 2010م، لم تعد موجودة، وأي خطة استراتيجية لوقف الحرب الأهلية يجب أن تنطلق من افتراض أساسي واضح، هو أن سورية المجزأة والمقسمة لا يمكن توحيدها من جديد… ومن هنا، حان الوقت للقول: وداعاً سورية، وأيضاً: وداعاً سايكس بيكو».

ويؤيد هذا الاتجاه الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي يعقوب عميدرور الذي رأي أن الأوضاع الحالية التي يمر بها العرب قد تكون فرصة لعقد صفقة سلام بشروط مناسبة لإسرائيل، خصوصاً بعد انهيار جيوش عربية نظامية.

وقدّم رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً، ورئيس معهد دراسات الأمن القومي راهناً، عاموس بادلين، جملة من التوصيات التي يتعين على إسرائيل تبنيها في استراتيجيتها العليا، ومبدياً ارتياحه لتجميد المشروع النووي الإيراني بقوله: «إيران على مسافة عام واحد من إنتاج القنبلة النووية، لكن تجميد المشروع سيتيح لإسرائيل التخطيط لخمسة أعوام مقبلة، وحتى لعشرة. وبالتالي، يجب أن يكون لديها خطة لبناء قوة تمكنها من مواجهة مختلف السيناريوهات المحتملة، كخرق الاتفاق أو إلغائه أو اندفاع علني أو سري نحو تصنيع القنبلة… وعلينا استغلال هذه المهلة الزمنية بصورة أفضل لتبني قدرات معززة وجديدة لمواجهة إيران بكل أبعادها ونشاطاتها».

اللواء عميدرور: يجب منع وصول الأسلحة سواء إيرانية أو روسية لأيدي حزب الله

كما أوصى بعض الباحثين الإسرائيليين باستنزاف الآخرين في سورية، وفي مقدمتهم الباحث رون تيرا: «يجب تعميق انزلاق إيران في مستنقع التمدد المفرط، وأن تستخدم إسرائيل دورياً القوة العسكرية بتواضع لإحباط تهديدات ملموسة في مناطق لها فيها مصالح حيوية».

وأيضاً من أهم التوصيات التي جرى تقديمها للاستفادة منها من خلال استمرار المواجهات في سورية، واحتمال تفككها، هو عقد تحالفات مع أقليات مثل الأكراد والدروز، وإظهار إسرائيل أمام العالم ديمقراطية ومحبة للسلام، ولا ترغب في السيطرة على الشعوب، وهذا ما قدمه جدعون ساعر، السياسي وعضو الكنيست الليكودي، ووزير الداخلية ووزير التربية والتعليم في حكومات نتنياهو السابقة: «لا يوجد حلفاء طبيعيون كثر لنا في المنطقة، والتحالف مع الأكراد يمكن أن يشكل بداية مسار لبناء تحالفات مع أقليات أخرى تكون تحالفات حقيقية موثوقاً بها وقابلة للاستمرار».

وحول استفادة إسرائيل من هذا الوضع القائم يتساءل آري شافيط: «هل قمنا بما فيه الكفاية لاستغلال العهد الذهبي الاستراتيجي الراهن؟»، ثم يجيب: «كلا، كلا، لكن تشعر إسرائيل في المقابل بالارتياح، لأنها تحيد أعداءها الواحد تلو الآخر، دون أن تستنزف طاقاتها».

ثانياً: التدخل الجراحي

بعد أن نشرت إيران أعداداً كبيرة من قواتها في سورية عام 2012م، ومع دخول الآلاف من مقاتلي حزب الله لدعم نظام الأسد، بدأ ناقوس الخطر يدق لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وبات الحديث عن مخاوف فعلية من حجم النفوذ الإيراني في سورية.

وقد عبّر عن هذه المخاوف رئيس مجلس الأمن القومي السابق، اللواء يعكوف عميدرور، قائلاً: «يجب على إسرائيل منع وصول الأسلحة التي من شأنها تغيير موازين الصراع، سواء كانت أسلحة إيرانية أو روسية، لأيدي حزب الله، ومنع إيران من تشكيل قاعدة لعملياتها بما يمكنها من شن هجمات على إسرائيل».

ومع ترأس نفتالي بينيت وزارة الأمن، حوّل الاستراتيجية الإسرائيلية من الدفاع إلى الهجوم، بمعنى أنها تحولت من استراتيجية ردود الفعل إلى استراتيجية الفعل، ومن المراقبة إلى التدخل الجراحي، فشنت العديد من الهجمات التي استهدفت القوات الإيرانية وميليشياتها في سورية، تحت ذريعة استباق الهجمات على إسرائيل.

لذلك هدفت إسرائيل إلى إقرار سياسة الضربات الجراحية، لإبعاد ميليشيات إيران عن حدود الجولان مسافة 40 كلم، واستهدفت أول قافلة عسكرية إيرانية في 30 يناير 2013م، والتي كانت في طريقها إلى ميليشيا حزب الله، ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الغارات الإسرائيلية جزءاً من المشهد السوري.

وفي أول تبنٍّ رسمي إسرائيلي لهذه الغارات أعلن نتنياهو في 19 يوليو 2017م أن إسرائيل قامت بعشرات الغارات على سورية خلال الأعوام الماضية، واستمرت هذه الاستراتيجية حتى الآن.

كما صرح نتنياهو في يناير 2019م قائلاً: «تزايدت هجماتنا ضد إيران في سورية، وإننا مصممون على اتخاذ إجراءات ضدّ إيران كما وعدنا».

ويدلل على هذا التحول في الاستراتيجية الإسرائيلية تصريح رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، لصحيفة (جيروزاليم بوست) في ديسمبر 2020م إن «إنشاء المواقع الإيرانية في سورية يتباطأ بشكل كبير نتيجة لأنشطة الجيش الإسرائيلي… وفي العام الماضي قصفنا (500) موقع، بالإضافة إلى العديد من المهام السرية»، الأمر الذي أجبر إيران إلى نقل ميليشياتها إلى شرق سورية، ومع ذلك، وجدت نفسها غير آمنة أيضاً، بسبب هجمات 12 و13 يناير 2021م.

وذلك لأن الاستراتيجية الإسرائيلية رأت الطريق البري الممتد من إيران إلى لبنان، مروراً بالعراق وسورية، تهديداً لها، لما له من أهمية في المشروع الإيراني، كونه (خط الحرير) الإيراني لبناء مشروع الهلال الشيعي، وتحويل سورية، حتى مع بقاء نظام الأسد، إلى دولة محكومة من قبل الميليشيات الطائفية، وموت جميع مؤسسات الدولة، كما هي الحال في لبنان والعراق وحتى اليمن.

ولهذا وضعت الاستراتيجية الإسرائيلية عدة أهداف رئيسة لها، يقف على رأسها الحد من النفوذ الإيراني والروسي في سورية، وإيقاف نقل الأسلحة المتطورة إلى ميليشيات حزب الله، ومنع سورية وإيران من تشكيل تهديد عسكري ملموس على إسرائيل، إضافة إلى تقويض شرعية المطالب بمرتفعات الجولان.

ثالثاً: محددات الاستراتيجية

تقوم دراسة المحددات لاستراتيجية إسرائيل تجاه إيران من خلال لاعبين أساسيين في الساحة السورية، هما الولايات المتحدة وروسيا، مع ملحوظة خلو الساحة من أي وجود مؤثر عربي.

أ. اللاعب الأميركي

أدارت الولايات المتحدة مصالحها في سورية مع روسيا من جهة، مع الأخذ بالاعتبار المصالح الإسرائيلية من جهة أخرى، إضافة إلى محاولة ضبط النفوذين الإيراني والتركي.

وقد شكّل تفاقم الأزمة السورية مع التمدد الإيراني معضلة للسياسة الأميركية، لأثرها المباشر على أمن حلفائها العرب وإسرائيل، خصوصاً أن الولايات المتحدة حاولت تقليص وجودها العسكري في المنطقة إبان عهد أوباما، وهو التوجّه الراسخ نفسه أيضاً في عهد إدارة ترمب.

وكان أول التعاطي الأميركي مع الانتفاضة السورية في 29 أبريل 2011م، وذلك من خلال إعلان عقوبات اقتصادية على مسؤولين سوريين، ثم إعلان خطوط أوباما الحمراء، والذي لم تكن تصريحاته عن سقوط نظام الأسد بمثابة خطة أميركية، بقدر ما كانت تثبيت موقف، حتى يقال إن الموقف الأميركي كان على الجانب الصحيح من التاريخ، ثم ردد الغرب التعبير ذاته.

لكن حصل تغيّر حقيقي في موقف الإدارة الأميركية بعد قيام الأسد باستهداف الغوطة الشرقية في العاصمة دمشق بأسلحة كيميائية، وانتهت الأزمة بتسليم النظام السوري السلاح الكيميائي للولايات المتحدة، مما ساعد ذلك في تقديم ضمانات لإسرائيل من حيث عدم وقوعها في يد أطراف أخرى في حال سقوط الأسد.

لذلك كان دور الولايات المتحدة مساعداً لإسرائيل في الضغط على روسيا وعلى تجريد النظام السوري من أسلحته الفتاكة، لكن هذا الدور شكّل في الوقت ذاته قلقاً لإسرائيل، نتيجة خضوعه لحسابات الولايات المتحدة الداخلية والخارجية المعقدة، مما دفع بالإسرائيليين إلى عدم الاعتماد كلياً على الإدارة الأميركية، والاحتفاظ بخطة مستقلة لمواجهة إيران.

ب. اللاعب الروسي

بعد فشل إيران في حماية نظام الأسد، دخلت روسيا عسكرياً إلى سورية في سبتمبر 2015م، وبحسب المحلل السياسي الإسرائيلي عاموس هرنيل، أن هذا التدخل كان سلبياً على إسرائيل، حيث أصبحت الرادارات الروسية في قاعدة حميميم بطرطوس قادرة على تقييد سلاح الجو الإسرائيلي، لذلك بات التعاون الإسرائيلي مع روسيا أمراً لا بدّ منه.

وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبتمبر 2015م بزيارة روسيا، وذلك قبل أيام من تدخلها في الشأن السوري، واستطاع تأسيس خط مباشر بين رئاسة الأركان في البلدين، وطرح في لقائه مع الرئيس بوتين مسألة استخدام إيران الأراضي السورية لتهديد أمن إسرائيل، وذلك من خلال تزويد ميليشيات حزب الله بأسلحة متطورة، إضافة إلى أن الوجود الإيراني العسكري المتوسع في سورية قد يشجع على قيام جبهة عسكرية في الجولان.

وعلى إثر هذه الزيارة شهد عاما 2016م و2017م عدداً كبيراً من الزيارات المتبادلة، بإضافة إلى أن نتنياهو كان من بين مسؤولين أجنبيين فقط حضرا العرض العسكري في الساحة الحمراء في 09 مايو 2018م.

ولكن حالة التفاهم الإسرائيلي – الروسي ساءت بعد أن أسقطت إسرائيل طائرة روسية، نتج عن الحادث مصرع خمسة عشر جندياً روسياً، ونتيجة هذا الحادث قررت روسيا تسليم النظام السوري أنظمة الدفاع الجوي (300 S)، كما ألغت لقاءات ومحادثات مقررة بين بوتين ونتنياهو.

وبعد ذلك توصل الطرفان لتسوية، وعادت الطائرات الإسرائيلية لقصف الأهداف الإيرانية من جديد، وبشكل أوسع مما كان عليه الوضع سابقاً.

وذلك يشير إلى موافقة روسية ضمنية على قيام إسرائيل باستهداف إيران وميليشياتها داخل سورية، بشرط عدم إسقاط نظام الأسد، وهي موافقة مبنية على تعهد إسرائيلي لروسيا، كما لم يغير هذا الاتفاق موقف روسيا الرافض لاجتثاث النفوذ الإيراني بالكامل من سورية.

رابعاً: توصيف الاستراتيجية

اقتصرت التحركات الإسرائيلية فيما يتعلق بالملف السوري خلال هذه الفترة على التنسيق مع الحلفاء، وخصوصاً الولايات المتحدة، بغية التأثير على سياستها بما يُحقق الاستراتيجية الإسرائيلية، أي توسيع عملية استنزاف النظام دون السماح بسقوطه، وهو ما حصل فعلاً.

ولكن توسّع الوجود الإيراني في سورية أدّى إلى تعديلٍ في الاستراتيجية الإسرائيلية، إذ تبين أن عدم التدخل يمنح إيران وأتباعها فرصة توسيع النفوذ، مستفيدين من ضعف النظام، أي أن ضعف النظام الذي سعت إليه إسرائيل أصبح يصبّ في مصلحة إيران أيضاً.

وصرح موشي يعلون وزير الدفاع الإسرائيلي: «نحن غير معنيين بمن سيفوز بالسيطرة على سورية، سواء الأسد أو غيره، فلن ندخل في أي نقاش حول هذا الموضوع مطلقاً، ولكن كان ولا يزال نطاق النفوذ الإيراني أحد المخاوف الرئيسة لإسرائيل في سورية، سواء من خلال نشر القوات الإيرانية أو عبر دعم طهران المكثف لحزب الله».

كما سعت إسرائيل إلى إيصال رسائل إلى النظام السوري وروسيا بأن وجود إيران سيكون مكلفاً لهما.

لذلك شهدت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية مع حلول عام 2019م تحولاً بارزاً، من خلال توسيع حدود المعركة حتى وصلت إلى الحدود السورية – العراقية، وقد أكد نتنياهو ذلك، حيث قال: «إننا نعمل على جبهة واسعة ضد إيران، ولا يوجد أي حصانة لها، فهي تريد تدمير بلدنا في أي مكان، وقد مُنحت القوى الأمنية الإسرائيلية الحرية للقيام بكل ما هو ضروري».

وبعد ذلك شهدت الاستراتيجية الإسرائيلية حدثين مهمين:

أ. خطة نفتالي

بدأت ملامح سياسة إسرائيلية جديدة ترتسم في الأفق لمواجهة إيران في سورية في 08 نوفمبر 2019م بعد تولى نفتالي بينيت زعيم حزب اليمين الجديد وزارة الدفاع. والذي رأى أن سورية ينبغي أن تكون فيتناماً للإيرانيين، محذراً أن استمرار الوجود الإيراني في سورية، سيقابل برد عسكري دائم.

وأضحى الخطاب الإسرائيلي بناء على هذه الرؤية، فالهدف إيران وليس حلفاءها، وجرى وصف إيران بالأخطبوط الذي يجب خنقه، بدلاً من تضييع الوقت بالقتال مع أذرعه، وأن المواجهة لن يكون عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً وسياسياً واستخباراتياً.

وقد وصف الوزير بينيت هذا التغير في الاستراتيجية بأنه أدى إلى ازدياد عدد الضربات الجوية، وأصبحت نوعية الأهداف أكثر تأثيراً، وألمح إلى أن الخطة في عام 2020م تقوم على إجبار إيران على الخروج من سورية خلال سنة واحدة، وأنها لا تستهدف حزب الله وحماس، وإنما تركز بشكل أساسي على الإيرانيين، وجاء ذلك في 19 فبراير 2020م بقوله: «نخفف الحروب التكتيكية ضد حماس وحزب الله حتى نحوّل كل طاقتنا لإيران لأنها رأس الأفعى.. وأن العمليات الاستراتيجية تسعى لإخراج إيران من سورية».

ب. خطة تنوفا

كان خيار المواجهة المباشرة الإسرائيلية مع إيران حاضراً دائماً لدى مسؤوليها، وقد جرى الإعلان عن هذه الاستراتيجية في عام 2019م، وذلك من خلال تعزيز القوة العسكرية البرية ضمن خطة خماسية عُرفت بـ (خطة تنوفا) أي (رافعة أو اندفاعة)، ووافق عليها رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي في 14 يناير 2020م، قائلاً: «إن الحرب عندما تحدث سيتعين علينا العمل بكل قوتنا، وهذا يشمل الإصابات، ويعني أيضاً أن الحرب لن تستمر لمدة يوم أو يومين بل ستطول، رغم أننا سنفعل كل ما في وسعنا لتقصير أمدها».

وترتكز الخطة على رؤية جديدة لاستخدام القوة العسكرية تستند إلى دمج وتزامن بين الضربات الجوية المكثفة على بنك أهداف محدد، وبين اجتياح بري سريع وحاسم كعنصر أساسي.

لذلك لخص التقرير الاستراتيجي الصادر عن مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2020م التحدي الرئيس الذي تواجهه إسرائيل في مواجهتها لإيران بأنه يتمثل بـ «صياغة استراتيجية مواجهة تمكنها من إبعاد إيران عن برنامجها النووي، واستهداف تموضعها العسكري من خلال استخدام القوة في مختلف ساحات تواجدها وعلى مستويات مختلفة، بحيث لا تؤدي إلى مواجهة واسعة النطاق مع إيران، أو لحرب في لبنان، وذلك بالتنسيق مع الولايات المتحدة في جميع الأحوال».

ونجد ضمن التوصيات الواردة في التقرير الاستراتيجي بنداً متعلقاً بـ (مشروع الصواريخ الدقيقة) و(تمترس إيران في سورية)، كما يرى التقرير أن نجاحات إسرائيل في عامي 2018م و2019م في قصف إيران بسورية ما هي إلا نجاحات نسبية ومؤقتة، وليست مطلقة، والحذر من خطأ البقاء ضمن الاستراتيجية نفسها في الوقت الذي يتغير فيه الواقع.

خامساً: الأهداف الإسرائيلية

لا تخفي إسرائيل هدفها في رؤية سورية تحت قيادة حكومة مركزية معتدلة قادرة على السيطرة على أراضيها ومقاومة التدخل الإيراني، في حال لم تتقسم، وفي الوقت نفسه أن تكون ضعيفة لا تشكل أي تهديد على إسرائيل.

كما لا تقبل بوجود أي سيطرة إقليمية لنظام الأسد الذي بات اليوم أكثر خضوعاً وانبطاحاً لإيران، بل ترغب باستمرار الانقسام في سورية إلى مناطق مختلفة خاضعة لسيطرة ميليشيات سورية متنوعة، إضافة إلى ميليشيات إيران الطائفية، لكي تضمن استمرار الصراع بين هذه الميليشيات بدلاً من محاربة إسرائيل، ويُعدّ هذا الحل الأفضل الذي يصب في مصلحتها.

لذلك سنستعرض أهم الأهداف الإسرائيلية التي تسعى لتحقيقها من خلال استثمار الصراع السوري:

أ. احتواء إيران والحيلولة دون نقلها الأسلحة لميليشيا حزب الله، وأدلى مايكل أورين سفير إسرائيل السابق بالولايات المتحدة في تصريح له عام 2013م، قائلاً: «يتمثل الخطر الأكبر الذي يهدد إسرائيل في المحور الاستراتيجي الممتد من طهران إلى دمشق وحتى بيروت… ولا تملك إسرائيل قدرة كبيرة على تقييد الحرية التي تتمتع بها إيران في سورية، باستثناء مهاجمة القوافل التي تنقل الأسلحة إلى حزب الله وتعزيز دفاعاتها على الجانب الإسرائيلي من مرتفعات الجولان».

وأطلع نتنياهو الرئيس الروسي في سبتمبر 2015م، على استخدام طهران الأراضي السورية لتهديد أمن إسرائيل من خلال تزويد ميليشيا حزب ميليشياتها بأسلحة متطورة.

كما ذكر كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 2015م أن حزب الله نجح في تهريب صواريخ إس إيه – أ22 إلى لبنان لإسقاط طائرات إسرائيلية، وأيضاً صواريخ كروز من طراز ياخونت روسية الصنع لإغراق السفن، إضافة إلى تزويد هذه الميليشيا بصواريخ أرض – أرض دقيقة التوجيه، وطائرات هجومية بدون طيار.

ب. الحد من النفوذ العسكري الروسي في سورية، وألا يتجاوز ذلك النفوذ قاعدتها البحرية في مدينة طرطوس، وذلك لتجنب نشوب أي صراع إسرائيلي – روسي مستقبلاً، إضافة إلى أن اتساع النفوذ الروسي سيعزز قوة إيران، وهذا من شأنه تغيير موازين القوى في سورية.

وأكد على أهمية هذه النقطة الباحث الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت في عام 2015م، والذي حذر من الدعم الروسي الكبير لنظام الأسد، فإن «جهود بوتين لترجيح موازين ميدان المعركة في سورية لمصلحة الإيرانيين تأتي على حساب أمن إسرائيل»، وهذا لا شك يتيح لإيران ووكلائها الحفاظ على نفوذ كبير في سورية.

ج. العمل على إضعاف النظام السوري، وذلك حتى لا يكون قادراً على تهديد أمن إسرائيل، أو مساعدة ميليشيا حزب الله بتنفيذ عمليات برية وبحرية ضد إسرائيل، لا سيما أن طهران تفاوض العالم في مشروعها النووي، اعتماداً على إرهاب ميليشياتها الإقليمية.

وفي حال حقق النظام السوري نصراً في الصراع السوري، فهذا يعني تمكين إيران وميليشياتها من مواصلة عملياتها الإرهابية في المنطقة دون عقاب، لذلك لا تريد إسرائيل نصراً للنظام السوري ولا إسقاطه الذي ينجم عنه فقدان أهم حارس لحدودها على مدى خمسة قرون.

د. استمرار الوضع السوري على ما هو عليه، وهذا من أهم الأهداف لإسرائيل، حتى تستطيع إقناع العالم بنزع الشرعية عن المطالب السورية بمرتفعات الجولان، بحجة أن سورية أصبحت مقسمة، إضافة إلى عدم وجود نظام سوري منتخب يمكن أن تتنازل إسرائيل له عن الجولان الذي استولت عليه عام 1967م، وبالتالي تعزيز قبضة إسرائيل عليه.

هـ. العمل بشكل كبير، وعلى جميع الصعد، لإقناع العالم بعدم تمكين الأكثرية السنية في حكم سورية، وإشغالها بحروب استنزافية مع النظام السوري والميليشيات الإيرانية، ووصم أهل السنة جميعهم بالإرهاب، إضافة إلى تشجيع الدول على فدرلة سورية بحجة حماية الأقليات.

و. ترسيخ شرعية إسرائيل لاستخدام القوة في المجال السوري، مع الإضرار في الوقت ذاته بشرعية العدو، من خلال كشف الأنشطة العسكرية للنظام السوري وإيران التي تنتهك القانون الدولي.

لذلك انتصار انتفاضة الشعب السوري يعد مقلقاً جداً لإسرائيل، كما أن انتصار المحور الإيراني المدعوم روسياً ليس بالأمر الإيجابي، بينما المفضل لإسرائيل أن تبقى ويلات الشعب السوري على ما هي عليه، ولأطول مدة ممكنة.

ختاماً.. إن الاستراتيجية الإسرائيلية في عدم التدخل المباشر في الشأن السوري خلال السنوات الأولى للصراع، ثم تحولها إلى سياسة الضربات الجراحية المحدودة، قد فشلت في الحد من النفوذ الإيراني المدعوم روسياً، حتى أصبحت إيران تمسك بمفاصل الدولة السورية، بعد أن كانت حليفاً خارجياً، ولم تعد إسرائيل قادرة على الفصل بينهما، وأصبحت ترى أن إضعاف إيران يتطلب إضعافاً للنظام السوري، وربما تغييره، وهذا ما سيحصل مستقبلاً.

1 قاسم سليماني – قائد فيلق القدس سابقاً – في إحدى زياراته إلى سورية
2 إسرائيل تعزز دفاعاتها على جانبها من مرتفعات الجولان
3 إيران نشرت أعداداً كبيرة من قواتها في سورية العام 2012م
4 ميليشيات نظام إيران وحزب الله لاعبان أساسيان في الساحة السورية

عن ينبع نيوز

محرر صحفي
%d مدونون معجبون بهذه: