إن أحدنا إذا أراد أن يسافر ولو لبضعة أميال احتاج أن يعد العدة من مالٍ وأهبة، فكيف وفي رمضان سفر الروح إلى ربها، وتعلقها بكتابه، وإفساح الطريق لها للوصول إليه، ففيه يصفّد عدوها، ويضاعف أجرها، ويغفر ذنبها، وتفتح لها أبواب جنة ربها، وتغلق فيه أبواب النار تطمينًا لسكينتها وإشعارًا بقبول سعيها..

تلك الدقائق القليلة من الإحماء التي تقضيها الخيل قبل دخول المضمار، لها أثر كبير ودافع قوي في الثبات والحفاظ على لياقة الخيل وسرعته، وكما هو الشأن في كل سباق ورياضة، حتى في كرة القدم، دقائق من الإحماء والتمرين الخفيف يحافظ ويرفع من عزم اللاعبين طيلة المباراة، وهذا فيه من العامل النفسي والصحي ما يجعل الأمر ليس أمرًا اعتياديًا واعتباطًا بل هو أمر مدروس، ويتولاه متخصصون يقدّرون لكل لحظة قيمتها قبل الانطلاق، وقد تظن أن مطلع كلامي هذا سيستمر ويتعمق في أمر ليس المقام مقامه، بل أردت أن أنحو بك إلى منحى آخر تمامًا، بعيدًا عن اللهو، وبعيدًا عن منافسات اللعب في الدنيا، وإنما استهللت بهذا لأن أكثر الناس من محبي الألعاب والرياضات والسباقات هم أيضًا من أولئك السباقين إلى بيوت الله، ومن المداومين على قراءة كتاب الله، ومن الحريصين على أداء سنة القيام، ولا سيما في شهر رمضان؛ شهر القرآن الذي نحن مقبلين عليه، نسأل الله أن يبلغناه، وهذا الشهر ليس بالوقت العادي، بل هو وقت مبارك، ونفحة من نفحات الله على عباده، وإذا كنت مازلت تتساءل عن استهلالي بما قبل الانطلاق، أقول لك: إن السلف الصالح من هذه الأمة واقتداءً بنبيهم وبصحابته رضي الله عنهم، كانوا يجعلون شهر شعبان محطة تمهيدية للتجهز والاستعداد لهذا الشهر المبارك، وفرق بين هذا وهذا كما بين السماء والأرض، ولكن تقريباً للفهم، وإيضاحًا لئلا يدخل الشهر المبارك وأحدنا لم يزل لم يعتد على المكث في المسجد، ولا على طول صلاة ولا على كثر قراءة، بل ولا بذل صدقة وتصريف ما جعله الله في ماله من حقوق، وكل ذلك كان السلف يمهدون له في شعبان، قال ابن رجب في لطائف المعارف “ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن” وقال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء. وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء. وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن. ولا يظن أحدنا أن هذه الآثار والأفعال إنما يُذكّر بها أولئك العباد الزهاد، الذين تفرغوا طيلة السنة للعلم والفقه والقراءة، لا، بل كل المسلمين يحتاجون ويفتقرون لهذا التذكير ولهذا الاستعداد، ولعل ذاك أو تلك والذي قضى أغلب أوقات السنة في ملهيات ومباحات وفي أعمال ووظائف وتجارات إذا جاء رمضان كان أكثر إقبالاً وأنشط نفسًا من كثير ممن اعتاد التنفل والعبادات، وهذا ما يدعونا ويدعو كل حريص على نفع المسلمين، يدعونا إلى حث المسلمين بكل أصنافهم وأطيافهم إلى اغتنام شهر رمضان المبارك، والاستعداد لذلك من قبل مجيئه، والتفرغ لأيامه ولياليه، فإن أحدنا إذا أراد أن يسافر ولو لبضعة أميال احتاج أن يعد العدة من مالٍ وأهبة، فكيف وفي رمضان سفر الروح إلى ربها، وتعلقها بكتابه، وإفساح الطريق لها للوصول إليه، ففيه يصفّد عدوها، ويضاعف أجرها، ويغفر ذنبها، وتفتح لها أبواب جنة ربها، وتغلق فيه أبواب النار تطمينًا لسكينتها وإشعارًا بقبول سعيها، ففي شهر رمضان من العبادات والخيرات وبذل الصدقات وتنزل الرحمات ما يعجز العبد عن عدها فضلاً عن استيعابها، وهذا ما جعل أولي النهى يعدون له العدة، ويشمرون له قبل مجيئه، ويستقبلونه بنفوس قد حدا بها شوق انتظاره إليه. ويكفي في وصفه قول ربنا “أياما معدودات”، فإحسان استقبالها في أيام مثلها رجاحة عقل، ونية حسنة لعل صاحبها أن ينال بها فوق ما أعد الله للمستغلين أوقاتهم في شهر عم فيه الخير، وتناثرت آثار البركة. هذا، والله من وراء القصد.